حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
138
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
البحث الرابع في قوله « هدى للمتقين » وفيه مسائل : الأولى : في حقيقة الهدى هو مصدر على فعل كالسرى وهو على الأصح عبارة عن الدلالة . وقيل : بشرط كونها موصلة إلى البغية بدليل وقوعه في مقابل الضلالة أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [ البقرة : 16 ] ولأنه يقال مهدي في معرض المدح . فلو احتمل أن يقال هدى فلم يهتد لم يكن مدحا ، ولأن مطاوعه « اهتدى » فيلزمه . وأجيب بأن مقابل الضلالة الاهتداء لا الهدى . وبأن قولنا « مهدي » إنما أفاد المدح لأنه من المعلوم أن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت كالعدم ، وبالمنع من أن اهتدى لازم هدى لزوما كليا إذ يصح في العرف أن يقال : هديته فلم يهتد ، قال عزّ من قائل : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [ فصلت : 17 ] وقال بعضهم : الهدى الاهتداء ، فإن زعم مطلقا فخطأ لوقوع صفة للقرآن ، وإن زعم حينا فصحيح لوقوعه في مقابلة الضلالة . الثانية : المتقي اسم فاعل من وقاه فاتقى . والوقاية فرط الصيانة ، وهذه الدابة تقي من وجئها إذا أصابها طلع من غلظ الأرض ورقة الحافر فهو يقي حافره أن يصيبه أدنى شيء . وهو في الشرع المؤتمر للمأمورات المجتنب عن المحظورات . واختلف في الصغائر أنه إذا لم يتقها فهل يستحق هذا الاسم ؟ روي عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس » فحقيقة التقوى الخشية يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ [ لقمان : 33 ] وقد يراد بها الإيمان وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى [ الفتح : 26 ] أي التوحيد . وقد يراد التوبة وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا [ الأعراف : 96 ] أي تابوا . وقد يراد الطاعة أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ [ النحل : 2 ] وقد يراد ترك المعصية وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ [ البقرة : 189 ] وقد يراد الإخلاص فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [ الحج : 32 ] أي من إخلاصها والتقوى مقام شريف إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا [ النحل : 128 ] وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى [ البقرة : 197 ] إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [ الحجرات : 13 ] . وعن ابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق اللّه ، ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على اللّه ، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد اللّه أوثق منه بما في يده » وقال علي عليه السلام : التقوى ترك الإصرار على المعصية ، وترك الاغترار بالطاعة . وعن إبراهيم بن أدهم : أن لا يجد الخلق في لسانك عيبا ، ولا الملائكة المقربون في أفعالك عيبا ، ولا ملك العرش في سرك عيبا . الواقدي : أن تزين سرك للحق كما زينت ظهرك للخلق . ويقال : التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك . وللّه در القائل : خل الذنوب صغيرها . وكبيرها فهو التقي .